المنازعات
الخبرة القضائية في المغرب

بإيجاز
الخبرة القضائية إجراء من إجراءات تحقيق الدعوى تتحكم فيه المحكمة، يفحص بمقتضاه خبيرٌ تعيّنه المحكمة مسألةً تقنية أو واقعية متخصصة ويرفع بشأنها تقريراً إلى المحكمة. وهي في المغرب خاضعة لقانون المسطرة المدنية، وهو اليوم القانون 58.25 (الساري منذ 24 غشت 2026). يمكن لطرفٍ أن يطلبها أو للمحكمة أن تأمر بها تلقائياً؛ وتتحقق المحكمة أولاً من قبول الدعوى قبل الأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق (المادة 116). ويجيب الخبير عن أسئلة تقنية لا عن مسائل قانونية تبقى للقاضي. وعلى الخبير احترام المبدأ التواجهي — باستدعاء الأطراف ودفاعهم إلى العمليات وتمكينهم من تقديم الوثائق والملاحظات. وتحدد المحكمة أجل التقرير، وتُشعِر كتابة الضبط الأطراف بإيداعه، ويمكن للمحكمة استدعاء الخبير للتوضيح (المادة 124). والأهم أن المحكمة غير ملزمة برأي الخبير ويمكنها الأمر بخبرة جديدة. ولا «يُستأنَف» التقرير في ذاته: بل تُبدى ملاحظات أمام المحكمة، ويمكن طلب التوضيح أو خبرة تكميلية أو خبرة جديدة تمنحها المحكمة وفق تقديرها. أما التقرير المنجَز بمبادرة خاصة فهو حجة تقدّرها المحكمة بحرية، وليس خبرة قضائية.
دليل معلوماتي حول الخبرة القضائية في المغرب: ما الذي ينجزه الخبير المعيَّن من المحكمة، وكيف تُطلب الخبرة وتُنجَز وفق القانون 58.25، وما قيمة التقرير، وكيف يُعترَض عليه — موجَّه للمتقاضين والشركات والمحامين الأجانب.
الخبرة القضائية في المغرب باختصار
حين يتوقف نزاع مغربي على مسألة تقنية أو واقعية متخصصة — سبب تشقق بناية، أو حجم الخسارة الفعلية لمقاولة، أو مدى ضرر جسدي — يمكن للمحكمة أن تعيّن خبيراً مستقلاً مختصاً يفحص تلك المسألة ويرفع إليها تقريراً بشأنها. هذه هي الخبرة القضائية.
ثمة نقاط ينبغي إدراكها منذ البداية. يساعد الخبير المحكمة ولا يحل محلها. وينبغي أن تنصبّ المهمة على مسائل تقنية أو واقعية، لا على مسائل قانونية تبقى للقاضي. والتقرير حجة مهمة، لكن المحكمة غير ملزمة تلقائياً برأي الخبير. كما أن مجرد الاختلاف مع تقرير لا ينشئ بذاته حقاً في خبرة ثانية — فالخبرة الجديدة تخضع لتقدير المحكمة.
يعرض هذا الدليل المسطرة العامة وفق القانون الساري. وهو دليل معلوماتي لا يغني عن استشارة مكيَّفة مع ملف بعينه.
ما هي الخبرة القضائية
الخبرة القضائية إجراء من إجراءات تحقيق الدعوى تلجأ إليه المحكمة لتنوير وقائع القضية قبل البتّ فيها. تُسند المحكمة إلى خبير مؤهَّل مهمةً محدَّدة — مجموعةً من الأسئلة التقنية — فيفحص العناصر ذات الصلة ويحرّر تقريراً مكتوباً.
إنه إجراء تتحكم فيه المحكمة، لا استشارة خاصة ينظّمها طرف واحد. وهذا التحكّم هو ما يميّزه عن تقرير يطلبه طرفٌ من جهته، وهو ما يمنح العملية طابعها التواجهي: فللطرف الآخر الحق في المشاركة.
لا تحسم الخبرة القضية. إنما تنير تقدير المحكمة لنقطة تقنية. أما الآثار القانونية للمعطيات التقنية للخبير — المسؤولية، والمبلغ المحكوم به، والنتيجة — فهي من اختصاص القاضي.
إطار 2026: قانون المسطرة المدنية الجديد (القانون 58.25)
تغيّرت المسطرة المدنية في المغرب سنة 2026. فقد صدر القانون 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، ودخل حيز التنفيذ في 24 غشت 2026. وهو يحلّ محل القانون الذي ظل يحكم المادة نحو نصف قرن، ويجمع المساطر المدنية والتجارية والإدارية في نص واحد.
وتُعالَج الخبرة القضائية ضمن إجراءات تحقيق الدعوى في القانون. وبموجب القانون 58.25، تتحقق المحكمة من قبول الدعوى قبل الأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق، ومنها الخبرة (المادة 116). وتنظّم المقتضيات اللاحقة كيفية تعيين الخبير وسير العمليات والتقرير وأجله والسبل التي يمكن للطرف أن يتفاعل بها معه.
ويلزم هنا تنبيه انتقالي. فالإجراءات المنجَزة بصفة صحيحة قبل 24 غشت 2026 تبقى منتجة لآثارها، والآجال التي بدأ سريانها من قبل تستمر وفق القواعد السابقة. لذا فإن قضية أو خبرة تتقاطع مع تاريخ الإصلاح قد تستدعي تحليلاً مستقلاً في ضوء المقتضيات الانتقالية؛ والإطار الحديث الموصوف هنا ينطبق على الخبرة المأمور بها في ظل القانون الجديد.
متى تأمر المحكمة بالخبرة
تلجأ المحكمة إلى الخبرة حين يتطلب البتّ في نقطة متنازَع فيها معرفةً لا تتوفر عليها هي نفسها — تقنية أو علمية أو محاسبية أو طبية في الغالب. ومن الأمثلة الشائعة: سبب ضرر يمسّ الهيكل، وطبيعة عجز دائم ونسبته، وتباينات في حسابات شركة، وقيمة عقار أو أصل تجاري، ومطابقة أشغال، أو احتساب ضرر.
والخبرة ليست تلقائية. فالمحكمة تقدّر ما إذا كانت المسألة تستدعي فعلاً خبيراً وما إذا كان الإجراء مفيداً لحسم النزاع. أما الطلب الذي يقصد في حقيقته جعل الخبير يحسم القضية، أو القيام باستكشاف عام، فحظوظه ضعيفة.
ويمكن الأمر بالإجراء في بداية التحقيق أو لاحقاً، بعد أن تتحدد النقاط ويتّضح السؤال التقني الذي يحتاج فعلاً إلى جواب.
المسائل التقنية والمسائل القانونية
أهم ما ينبغي فهمه بشأن الخبرة هو حدود مهمة الخبير. فالخبير يجيب عن أسئلة تقنية تتطلب معرفة متخصصة. وهو لا يبتّ في المسائل القانونية ولا يقرر من يربح الدعوى.
ويسهل إدراك الفرق بالأمثلة. سؤال تقني سليم: «ما سبب التشققات في الهيكل، وهل تُعزى إلى التصميم أم المواد أم التنفيذ؟» وسؤال يتجاوز الحد: «أي طرف مسؤول قانوناً عن الضرر؟» وكذلك: «ما التباينات الظاهرة في هذه الحسابات، وكيف يُحتسَب الضرر؟» سؤال تقني؛ بينما «هل أخلّ المدَّعى عليه بالتزاماته التعاقدية؟» سؤال قانوني من اختصاص المحكمة.
وهذا الحدّ ليس نظرياً. فالمهمة المصاغة بعبارات قانونية، أو الخبير الذي ينزلق إلى استنتاجات قانونية، يُنتِجان تقريراً هشّاً — ومحكمةً غير ملزمة باتّباعه.
كيف تُطلب الخبرة
إما أن يطلب طرفٌ من المحكمة الأمر بالخبرة، وإما أن تأمر بها المحكمة تلقائياً حيث يجيز القانون ذلك. وينبغي لطلب الطرف أن يحدد السؤال التقني الدقيق المتنازَع فيه، وأن يبيّن سبب الحاجة إلى خبير، وأن يقترح مهمة واضحة تتركّز على تلك المسألة.
وطلب الخبرة لا يعني أن المحكمة ملزمة بالاستجابة. فهي تقدّر جدوى الإجراء وقبوله قبل الأمر به. والطلب المصاغ جيداً والمحدَّد بدقة — المرتبط بنقطة الخلاف التقني الحقيقية — أوفر حظاً من الطلب الفضفاض.
وقرار المحكمة الآمر بالخبرة يحدّد الخبير والمهمة ويرسم الإطار الذي على الخبير التقيّد به.
الخبرة قبل رفع الدعوى وفي حالة الاستعجال
قد يتعرّض دليل تقني لخطر الزوال قبل رفع الدعوى أصلاً — فتُصلَح بناية متضررة، أو تُنزَع منشأة معيبة، أو يتغيّر وضع. وتعالج المسطرة المغربية الاستعجال عبر قاضي المستعجلات وعبر التدابير الوقتية أو التحفظية، ويعزّز القانون 58.25 هذه التدابير بوجه عام.
وعملياً، يمكن لطرف، في الحالة المناسبة، أن يطلب من القاضي المختص تدبيراً لإثبات وقائع تقنية أو المحافظة عليها قبل الدعوى في الموضوع أو بموازاتها، ضمن الشروط التي يحددها القانون. ولا ينبغي افتراض أن كل طلب من هذا القبيل سيُقبَل، ولا أن القانون المغربي يستنسخ آلية أجنبية بعينها؛ فالمسلك وشروطه من صميم المسطرة المغربية.
تعيين الخبير
تعيّن المحكمة خبيراً واحداً أو أكثر بالتخصص الذي تقتضيه المهمة، يُختار عادةً من جدول الخبراء القضائيين الرسمي. وفي الحالات المناسبة يمكنها استثناءً تعيين خبير من خارج الجدول، بعد أدائه اليمين المطلوبة — والخبير من خارج الجدول الذي لم يؤدِّ اليمين لا يمكنه إنجاز المهمة بصفة صحيحة.
وحين تتوزع المسألة على عدة مجالات، يمكن للمحكمة تعيين أكثر من خبير. والغاية من التعيين مطابقة المهمة لمختص قادر فعلاً على الجواب عنها.
تحديد مهمة الخبير
المهمة هي جوهر الخبرة. فهي قائمة الأسئلة التقنية التي على الخبير الجواب عنها، والإطار الذي يشتغل فيه. المهمة الدقيقة تُنتِج تقريراً مفيداً؛ والمهمة الغامضة أو الواسعة أكثر من اللازم تُنتِج تقريراً يجيب عن السؤال الخطأ أو يتجاوز حدوده.
والمهمة المحرَّرة جيداً تحدّد الوقائع التقنية المتنازَع فيها، والوثائق والعناصر الواجب فحصها، والمعاينة الميدانية عند الاقتضاء، والحسابات المطلوبة، وأسئلة السببية الواجب تناولها — مع إبقاء الخبير بعيداً عن التقديرات القانونية. كما تحدّد الحدود: ما ليس على الخبير أن يقوم به.
ولأن المهمة تحكم كل ما يليها، فإن صياغتها جديرة باهتمام حقيقي عند طلب الخبرة، وهي نقطة نقاش طبيعية بين الأطراف قبل أن تحسمها المحكمة.
الاستدعاء والمبدأ التواجهي
الخبرة تواجهية. فعلى الخبير استدعاء الأطراف — ودفاعهم ووكلائهم — إلى العمليات، مع إشعار مسبق قبل الموعد المحدَّد، حتى يتمكن كلٌّ من الحضور وإبداء رأيه. ويكون أجل الاستدعاء أطول حين يلزم طرفاً التنقّل من خارج دائرة نفوذ المحكمة، وللمحكمة تعديله عند اقتضاء الاستعجال ذلك.
والغاية ألا يُواجَه أي طرف بتقرير بُني على عمليات لم تتَح له مشاهدتها أو التعليق عليها. واحترام المبدأ التواجهي ليس شكلية؛ فالتقرير المنجَز دون استدعاء الأطراف بصفة قانونية يظل عرضة للطعن.
الوثائق والملاحظات
خلال العمليات، يمكن للأطراف أن يضعوا بين يدي الخبير الوثائق ذات الصلة وأن يبدوا ملاحظات على النقاط التقنية. وهذا هو وقت تسليم العقود والفواتير والتصاميم والملفات الطبية والصور أو المراسلات المتصلة بالمسألة إلى الخبير، ولفت الانتباه إلى ما تُظهره وثائق الخصم أو لا تُظهره.
والملاحظات المُبداة أثناء الخبرة أوزن من الانتقادات التي تُثار لأول مرة بعد التقرير. فالطرف الذي يظل صامتاً طوال العمليات ولا يعترض إلا في النهاية في موقف أضعف ممن حاور الخبير كتابةً وفي المحضر مع تقدّم العمل.
ما يجري خلال عمليات الخبرة
ما ينجزه الخبير فعلاً يتوقف على المهمة. وقد يشمل اجتماعاً للأطراف، أو معاينة بعين المكان، أو فحص وثائق، أو قياسات، أو اختبارات تقنية، أو طلب عناصر إضافية، ويمكن للخبير تلقّي تفسيرات من المعنيين حين يكون ذلك ملائماً.
ولا تنطبق كل هذه الأمثلة على كل خبرة. فالخبرة المحاسبية المحضة قد تكون وثائقية بالكامل تقريباً؛ وخبرة البناء تقتضي عادةً زيارة الموقع. والأساس أن تبقى العمليات ضمن حدود المهمة وأن تظل تواجهية من البداية إلى النهاية.
أجل إيداع التقرير
تحدّد المحكمة الأجل الذي يجب على الخبير إيداع تقريره المكتوب خلاله؛ ويُبلَّغ الأطراف بقرار تعيين الخبير، ويُضبَط الأجل في هذا الإطار (المادة 124). ولا توجد مدة واحدة موحَّدة — فالأجل يتوقف على المهمة والقضية، ويمكن تمديده عند وجود ما يبرره.
وعند إيداع التقرير، تُشعِر كتابة الضبط الأطراف بذلك. وإذا كانت نقطة في التقرير غامضة، أمكن للمحكمة استدعاء الخبير لتقديم توضيحات.
تجريح الخبير أو استبداله
تنشأ حالتان متمايزتان. فيمكن لطرف أن يطلب تجريح الخبير لأسباب تمسّ حياده — الأسباب المقررة في القانون، والتي وسّعها إصلاح 2026 لتشمل حالات مثل المصلحة غير المباشرة، وعلاقة التبعية، والصداقة أو العداوة المشهورة، أو العضوية في هيئة لها مصلحة في النزاع. ويجب تقديم طلب التجريح داخل الأجل القصير الذي حدده القانون، والذي رفعه الإصلاح إلى عشرة أيام من تبليغ قرار التعيين (المادة 126). والتجريح يتعلق بحياد الخبير؛ وليس وسيلة للاعتراض لمجرد أن طرفاً لا يروقه الرأي الأولي للخبير.
وبصورة مستقلة، يمكن للمحكمة استبدال الخبير — مثلاً حين يتعذر عليه إنجاز المهمة، أو لا ينجزها داخل الأجل المحدَّد، أو يرفضها دون مبرر مقبول (المادة 125). والاستبدال يتعلق بسلوك الخبير أو قدرته، لا بجودة تقرير مكتمل.
أتعاب الخبير والأمانة
للخبرة كلفة، وينظّم القانون كيفية التعامل معها. وعملياً قد تُطلب أمانة لتغطية عمل الخبير، ويُحدَّد المبلغ في إطار المسطرة، ويضع القانون آجالاً قصيرة وخاصة للمنازعة في بعض الأتعاب والمصاريف بدل تركها إلى نهاية الخصومة. أما التوزيع النهائي للكلفة بين الأطراف فتبتّ فيه المحكمة.
ولا يذكر هذا الدليل أرقاماً. فالمبالغ تتوقف على الخبير والمجال ونطاق المهمة، وأي رقم محدَّد سيكون متغيّراً ومرتبطاً بكل ملف على حدة.
تقرير الخبرة
التقرير هو حصيلة الخبرة. وينبغي أن يجيب عن المهمة المسندة، وأن يعرض العمليات التي أنجزها الخبير، وأن يحدّد الوثائق والعناصر المفحوصة، وأن يشرح التحليل التقني، وأن يبيّن استنتاجات الخبير حول الأسئلة المطروحة.
والتقرير الذي يجيب عن المهمة بوضوح، ويُظهِر منهجه، ويستند إلى العناصر المفحوصة، تقريرٌ مقنِع. أما التقرير الفقير في المنهج، الساكت عن وثائق قدّمها الأطراف، أو الذي يتجاوز المهمة نحو استنتاجات قانونية، فأضعف بكثير — وهو يمنح المحكمة والأطراف مادةً ملموسة عند مناقشته.
هل المحكمة ملزمة بالتقرير؟
لا. فالمحكمة غير ملزمة تلقائياً برأي الخبير. الخبرة تنير تقدير المحكمة؛ والتقدير القانوني يبقى للقاضي الذي يزن التقرير مع باقي الأدلة، وله أن يحيد عنه أو يأمر بخبرة جديدة.
ولا يعني ذلك أن للقاضي أن ينحّي جانباً دليلاً تقنياً متيناً بمحض هواه. وعملياً، حين يتبنّى قضاة الموضوع استنتاجات الخبير، يعامل الاجتهاد القضائي المغربي هذا التبنّي بوصفه رفضاً ضمنياً للوسائل المثارة ضد التقرير. فالقراءة الواقعية إذن مزدوجة: التقرير المؤاتي مؤثِّر لكنه غير حاسم، والتقرير المعاكس لا يُنهي النقاش — لكن دحضه يتطلب جوهراً، لا مجرد اعتراض.
الاعتراض على تقرير الخبرة
هنا تخيب التوقعات في الغالب. فلا «يُستأنَف» تقرير الخبرة وكأنه حكم. التقرير حجة؛ ويُعترَض عليه أمام المحكمة الناظرة في القضية.
وعملياً، يثير الطرف غير الراضي اعتراضاته أمام تلك المحكمة — بنقد المنهج، أو الإشارة إلى أخطاء أو إغفالات في الوقائع، أو إظهار تناقضات داخلية أو فرضيات غير مسنَدة، أو الدفع بأن الخبير تجاوز المهمة. ومن ثمّ يمكن للطرف أن يطلب من المحكمة استدعاء الخبير للتوضيح، أو الأمر بخبرة تكميلية، أو الأمر بخبرة جديدة. وهو الحكم القضائي المستنِد في النهاية إلى التقرير ما يمكن الطعن فيه بطرق الطعن العادية — لا التقرير في ذاته.
الخبرة التكميلية والخبرة المضادة والخبير الثاني
هذه أمور مختلفة، والتمييز بينها مهم. الخبرة التكميلية تطلب من الخبير نفسه أن يُكمِل عمله أو يوضّحه — أن يجيب عن نقطة مهمة بقيت معلَّقة، أو يزيل غموضاً، أو يعالج مسألة تقنية أُغفِلت. أما الخبرة المضادة، أو الخبرة الثانية، فتعني أن تعهد المحكمة بالمسألة إلى خبير آخر.
وفي اللغة الدارجة يُتحدَّث عن «الخبرة المضادة» وكأنها حق. وليست كذلك. فيمكن لطرف أن يطلب خبرة جديدة حيث يوجد ما يبرّرها — مثلاً حين يكون التقرير الأول معيباً على نحو جسيم أو منازَعاً فيه لأسباب جدية — لكن منحها قرارٌ للمحكمة المختصة وفق القواعد المطبَّقة. ولا يوجد حق تلقائي في خبير ثانٍ لمجرد أن طرفاً غير راضٍ عن التقرير الأول.
تقارير الخبرة الخاصة
التقرير المنجَز بمبادرة خاصة — تقرير تقني أو هندسي أو طبي أو محاسبي يحصل عليه طرف من جهته — ليس خبرة قضائية. فلم تأمر به المحكمة، ولم يُنجَز في الإطار التواجهي الموصوف أعلاه.
ولا يجعله ذلك عديم القيمة. فالتقرير الخاص قد يساعد طرفاً على توثيق مسألة تقنية، وفهم موقفه، ودعم طلب خبرة قضائية. لكنه لا يُلزِم المحكمة، وليست له القيمة نفسها التي لخبرة قضائية تواجهية؛ فالمحكمة تقدّره بحرية بوصفه عنصراً من عناصر الإثبات.
الخبرة في المنازعات الطبية والعقارية والتجارية والبناء
تحضر الخبرة القضائية في منازعات شديدة التنوع، دائماً بوصفها أداة تقنية. ففي القضايا الطبية يمكن أن تتناول السببية، وطبيعة ضرر أو عجز دائم ودرجته، وآثار العلاج، وغيرها من المسائل الطبية التقنية؛ أما المسألة القانونية المتعلقة بـالخطأ المهني فلا تُستخلَص من المعطيات التقنية للخبير وحدها.
وفي البناء والعقار تتناول العيوب والتشققات والمطابقة وجودة التنفيذ والكميات وحدود الملكية والتقييم أو القسمة العينية لعقار — وهي البنية التقنية لقضية مثل نزاع مع مقاول البناء في أكادير، بينما تبقى المسؤولية والنتيجة للمحكمة. وكثيراً ما تُستعمل أيضاً لتحديد المحل بدقة في دعوى إفراغ المحتل بدون سند، حيث قد يكون التباين بين الوثائق والمحل المحتل حاسماً.
وفي المنازعات التجارية والمحاسبية تفحص السجلات المحاسبية والفواتير والمخزون والأداء التقني والآلات أو الجانب التقني من احتساب الضرر — كما يحدث كثيراً في نزاع بين الشركاء في المغرب — دون أن تجعل من الخبير مدقّقاً يبتّ في المسؤولية.
وفي الضرر الجسدي والحوادث تكون الخبرة الطبية مركزية لتقدير الضرر بعد استقرار حالة المصاب. وفي كل هذه السياقات تقدّم الخبرة أجوبة تقنية؛ ولا تحل محل التحليل الخاص الذي تقتضيه تلك المنازعات.
الخبرة أمام المحاكم التجارية والإدارية وفي مرحلة الاستئناف
يوفّر القانون 58.25 الإطار المسطري الموحَّد الحالي، وتُستعمل الخبرة أمام المحاكم التجارية وفي المنازعات الإدارية كما في القضايا المدنية العادية — مع مراعاة القواعد الخاصة المتعلقة بنوع معيّن من المحاكم أو النزاعات. فالجهات القضائية ليست متطابقة في كل شيء، وينبغي التحقق من القواعد الخاصة بالمحكمة المرفوع إليها النزاع.
وفي الاستئناف، لا يتلاشى الدليل التقني. فلمحكمة الاستئناف أن تستند إلى خبرة أُنجِزت في المرحلة الابتدائية، ولها أن تأمر بخبرة تكميلية أو خبرة جديدة، ضمن سلطاتها ووفق تقديرها. ولا يوجد حق تلقائي في خبرة جديدة أمام محكمة الاستئناف.
التحضير للخبرة: قبل وأثناء وبعد
قبل الخبرة، يفيد تحديد النزاع التقني بدقة، والمحافظة على الوثائق ذات الصلة، وترتيب التسلسل الزمني، وجمع العقود والفواتير والتقارير والصور أو الملفات الطبية المتصلة بالمسألة — وتحديد الأدلة الناقصة.
وأثناء العمليات، احضر حين يكون ذلك ملائماً، وقدّم الوثائق ذات الصلة، وأجب عن طلبات الخبير التقنية، وأبدِ ملاحظات واضحة، واحتفظ بأثر مكتوب لما قُدِّم وقيل. وبعد إيداع التقرير، افحص المنهج، وقارن التقرير بالمهمة، وابحث عن الإغفالات والأخطاء الواقعية والتناقضات والفرضيات غير المسنَدة، أو الاستنتاجات التي تتجاوز المهمة نحو المجال القانوني.
وهذه استراتيجية تقاضٍ عملية، لا لائحة التزامات قانونية. لكنها الفرق بين خبرة يصوغها الطرف وأخرى تقع عليه.
أخطاء شائعة
- مطالبة الخبير بالبتّ في القانون — من المسؤول، ومن أخلّ بالعقد — بدل السؤال التقني.
- قبول مهمة غامضة أو واسعة أكثر من اللازم تترك التقرير يجيب عن السؤال الخطأ أو يتجاوز الحد.
- عدم المحافظة على الدليل التقني قبل أن يتغيّر أو يزول.
- التغيّب عن اجتماعات الخبير أو معايناته ثم التشكّي من النتيجة.
- تسليم الخبير كتلة وثائق غير مرتَّبة، دون تسلسل زمني أو شرح.
- الصمت أثناء العمليات وإثارة نقاط تقنية بديهية فقط بعد التقرير.
- معاملة تقرير منجَز بمبادرة خاصة وكأنه يعادل خبرة قضائية.
- افتراض أن تقريراً ضعيفاً يضمن تلقائياً خبرة مضادة أو خبيراً ثانياً.
- محاولة «استئناف» تقرير الخبرة وكأنه حكم، بدل الاعتراض عليه أمام المحكمة.
دور المحامي في المغرب
تبدأ مساهمة المحامي في المغرب في الخبرة قبل التقرير بوقت طويل. فيمكن للمحامي أن يقدّر ما إذا كانت الخبرة مفيدة استراتيجياً أصلاً، وأن يصوغ الطلب، وأن يقترح مهمة تقنية دقيقة تلتقط نقطة الخلاف الحقيقية مع إبقاء الخبير بعيداً عن المسائل القانونية.
ومع تقدّم العمل، يمكن للمحامي أن يحدّد وينظّم الوثائق التي ينبغي أن يطّلع عليها الخبير، وأن يراقب المبدأ التواجهي حتى يُستدعى الأطراف بصفة قانونية، وأن يهيّئ الملاحظات المقدَّمة أثناء العمليات، وأن يعترض حين تُتجاوَز المهمة. وبعد التقرير، يمكن للمحامي أن يحلّل منهجيته، وأن يكشف ضعفه الواقعي أو المنطقي، وأن يطلب — حيث يوجد ما يبرّره — توضيحاً أو خبرة تكميلية أو خبرة جديدة.
والأهم أن المحامي يربط التقني بالقانوني: فيترجم معطيات الخبير إلى مستنتجات يمكن للمحكمة أن تبني عليها، ويحول دون ضياع تقرير متين تقنياً بسبب سوء استعماله قانوناً. وهذا وصف لما يمكن للمحامي القيام به عموماً؛ وليس عرضاً للتوكيل.
التعاون مع المحامين الأجانب
كثيراً ما تجمع المنازعات العابرة للحدود — البناء والتأمين وعمليات الاندماج والاستحواذ والمنتجات والتوريد — بين مسطرة مغربية ومستشارين مقيمين بالخارج. وفي هذا الإطار، يُنسِّق المحامي في المغرب عادةً مع محامي التقاضي الأجانب، ومع مديرية قانونية داخلية، ومع المختصين التقنيين الذين تقتضيهم القضية: مهندسون وأطباء وخبراء محاسبون أو مؤمِّنون.
والتنسيق عملي. فالمستشارون الأجانب يلمّون بالخلفية التجارية وبالمساطر الموازية؛ والمحامي في المغرب يتولّى الخبرة أمام المحكمة المغربية والخطوات المسطرية المحلية؛ وحين يكون الدليل نفسه موجوداً في المغرب، تنطبق آليات مستقلة، كما يوضّح دليل الحصول على الأدلة في المغرب لدعوى أجنبية.
ولا يحل المحامي الأجنبي محل الاستشارة المسطرية المغربية أمام المحاكم المغربية. وتصف هذه الفقرة كيفية تنظيم هذا التعاون عموماً، ولا تعني أن AvocAffaire مُوكَّل بصفته محامياً في أي قضية.
المصادر الرسمية
القانون 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية (قانون المسطرة المدنية الساري)، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، الساري منذ 24 غشت 2026 — الإطار الناظم لإجراءات التحقيق، ومنها الخبرة القضائية (المادة 116 بشأن القبول قبل إجراء التحقيق؛ المادة 124 بشأن التبليغ والتقرير؛ المادة 125 بشأن استبدال الخبير؛ المادة 126 بشأن التجريح).
قاعدة البيانات القانونية لوزارة العدل (Adala) — النص المدمَج لقانون المسطرة المدنية.
الأمانة العامة للحكومة — الجريدة الرسمية، للاطّلاع على النص المنشور للقانون 58.25.
الإطار المتعلق بالخبراء القضائيين (الجدول واليمين والوضعية) — بشأن تعيين الخبراء ووضعيتهم، في حدود ما يُعتمَد عليه.
أسئلة شائعة
ما هي الخبرة القضائية في المغرب؟
هي إجراء من إجراءات تحقيق الدعوى تتحكم فيه المحكمة، يفحص بمقتضاه خبير معيَّن مسألة تقنية أو واقعية متخصصة ويرفع بشأنها تقريراً إلى المحكمة. وهي خاضعة لقانون المسطرة المدنية، وهو اليوم القانون 58.25. ينير الخبير نقطة تقنية؛ والمحكمة تبتّ في القضية.
من يمكنه طلب الخبرة القضائية؟
يمكن لطرف أن يطلب من المحكمة الأمر بها، أو للمحكمة أن تأمر بها تلقائياً حيث يجيز القانون. وينبغي أن يحدّد الطلب السؤال التقني الدقيق ويبيّن سبب الحاجة إلى خبير؛ وتقدّر المحكمة جدوى الإجراء وقبوله قبل الأمر به.
هل يمكن طلب الخبرة قبل رفع الدعوى في الموضوع؟
في الحالات المناسبة، يمكن لطرف أن يطلب من القاضي المختص، عبر المستعجلات أو التدابير الوقتية، إثبات وقائع تقنية أو المحافظة عليها قبل الدعوى في الموضوع أو بموازاتها، ضمن شروط القانون. وليس ذلك تلقائياً، ولا ينبغي افتراض أن المسطرة المغربية تستنسخ آلية أجنبية.
من يعيّن الخبير القضائي؟
تعيّن المحكمة خبيراً واحداً أو أكثر بالتخصص المطلوب، عادةً من الجدول الرسمي. واستثناءً يمكنها تعيين خبير من خارج الجدول، يؤدي اليمين المطلوبة قبل إنجاز المهمة.
هل يمكن للأطراف حضور عمليات الخبير؟
نعم. الخبرة تواجهية: على الخبير استدعاء الأطراف ودفاعهم إلى العمليات، مع إشعار مسبق، حتى يتمكن كلٌّ من الحضور وإبداء رأيه. والتقرير المنجَز دون استدعاء الأطراف بصفة قانونية يظل عرضة للطعن.
هل يمكن للأطراف تقديم وثائق وملاحظات؟
نعم. خلال العمليات، يمكن للأطراف وضع الوثائق ذات الصلة بين يدي الخبير وإبداء ملاحظات على النقاط التقنية. والملاحظات المُبداة أثناء العمل أوزن من الاعتراضات التي تُثار لأول مرة بعد التقرير.
من يؤدّي أتعاب الخبير؟
قد تُطلب أمانة لتغطية عمل الخبير، ويُحدَّد المبلغ في إطار المسطرة، ويضع القانون آجالاً قصيرة للمنازعة في بعض الأتعاب والمصاريف. أما التوزيع النهائي للكلفة بين الأطراف فتبتّ فيه المحكمة. والمبالغ تتغيّر بحسب المجال والمهمة.
كم تستغرق الخبرة القضائية؟
لا يوجد أجل ثابت وحيد. تحدّد المحكمة أجل التقرير (المادة 124)، وهو يتوقف على المهمة والقضية؛ ويمكن تمديده عند وجود ما يبرره. ومسار تواجهي متعدد الخطوات لا يمكن الوعد له بأجل محدَّد سلفاً.
هل القاضي ملزم بتقرير الخبرة؟
لا. المحكمة غير ملزمة تلقائياً برأي الخبير، ولها أن تحيد عن التقرير أو تأمر بخبرة جديدة. وعملياً، حين يتبنّى قضاة الموضوع استنتاجات الخبير، يُعدّ ذلك رفضاً ضمنياً للوسائل المثارة ضد التقرير؛ ودحض تقرير متين يتطلب جوهراً.
هل يمكن الاعتراض على تقرير الخبرة؟
نعم، لكن ليس بـ«استئناف» التقرير وكأنه حكم. يعترض الطرف عليه أمام المحكمة الناظرة في القضية — على المنهج أو الأخطاء الواقعية أو الإغفالات أو التناقضات أو تجاوز المهمة — ويمكنه طلب توضيح أو خبرة تكميلية أو خبرة جديدة. والحكم القضائي المستنِد إلى التقرير هو ما يُطعَن فيه بالطرق العادية.
هل يمكن لطرف طلب خبرة مضادة أو خبير ثانٍ؟
يمكن لطرف أن يطلب خبرة جديدة حيث يوجد ما يبرّرها، لكن لا يوجد حق تلقائي فيها. الخبرة التكميلية تطلب من الخبير نفسه إكمال عمله؛ والخبرة المضادة تعهد بالمسألة إلى خبير آخر. ومنح أيٍّ منهما قرارٌ للمحكمة المختصة.
ما الذي يمكن للمحامي في المغرب فعله أثناء الخبرة القضائية؟
يمكن للمحامي أن يقدّر جدوى الخبرة، ويصوغ الطلب ومهمة تقنية دقيقة، ويحدّد الوثائق، ويراقب المبدأ التواجهي، ويهيّئ الملاحظات، ويعترض على تجاوز المهمة، ويحلّل التقرير، ويطلب توضيحاً أو تكملة أو خبرة جديدة حيث يوجد ما يبرّره — ثم يربط المعطيات التقنية بالمستنتجات القانونية.
أدلة ذات صلة
نزاع مع مقاول في أكادير: عيوب البناء وتأخر الأشغال والخبرة
دليل معلوماتي لرب عمل يواجه نزاع بناء في أكادير: عيوب البناء وسوء التنفيذ، عدم المطابقة، الأشغال غير المكتملة، التأخر، الأشغال الإضافية، التسلم والتحفظات، حفظ الأدلة، الخبرة القضائية، الضمان العشري ودور المحامي.
نزاع بين الشركاء في المغرب: الحسابات والتسيير والحقوق والحلول القانونية
ماذا تفعل حين تنهار العلاقة بين الشركاء في شركة مغربية: كيف يغيّر شكل الشركة حقوقك، وما الذي تستطيع الخبرة المحاسبية القيام به فعلاً، والحلول القانونية الموجودة حقاً.
الحصول على الأدلة في المغرب لفائدة دعوى قضائية أجنبية: الإنابة القضائية والشهود والوثائق
لا يبلغ الأمر أو الاستدعاء الأجنبي، بمفرده، شاهداً أو شركة داخل المغرب. فالدليل الرسمي يُحصَّل عادةً عبر المساعدة القضائية، ويتوقف المسار أولاً على وجود اتفاقية ثنائية، ثم عند غيابها على اتفاقية لاهاي لسنة 1970 بشأن الحصول على الأدلة. هذا الدليل موجَّه إلى المحامين والمتقاضين والشركات بالخارج: هل يكفي الأمر الأجنبي، وأي مسار ينطبق، وهل يمكن إكراه الشاهد، وما الذي تتيحه الإنابة القضائية، وما الذي يمكن للمحامي الأجنبي — أو لا يمكنه — القيام به مباشرةً بالمغرب.
تنبيه: هذا الموقع يقدم معلومات قانونية عامة ولا يغني عن استشارة مهنية مبنية على وثائق ومعطيات كل ملف.